محمد أبو زهرة

1538

زهرة التفاسير

لقد بين اللّه سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن محنة أحد كانت فيها العبر ، وكانت تمحيصا لقلوب المؤمنين وصقلا لنفوسهم ، وبين اللّه سبحانه وتعالى في تلك الآيات أيضا أنه سبحانه لا يذر المؤمنين على ما هم عليه حتى يتبين الخبيث من الطيب ، وقوى الإيمان من ضعيفه ، وذكر سبحانه ما كان يلقيه المشركون واليهود من أقوال جارحة ، وبعضها يمس ذات اللّه تعالى ، كقولهم - لعنهم اللّه - إنّ اللّه فقير ونحن أغنياء . ولقد ذكر سبحانه من بعد ذلك أن المستقبل سيكون من جنس الماضي ، وأنه سينزل بالمؤمنين ضروب من البلاء كالتي نزلت أو أقوى ، وأن واجب التبليغ والإيمان يتقاضاهم أن يتحملوا ذلك بصبر وتقوى واحتياط ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً . ففي هذا النص السامي إخبار لهم بأن البلاء الذي ذاقوا بعضه مستمر ، وهو خير لهم ، وذلك ليستعدوا لتلقيه من غير فزع ولا جزع ، فإن الشدة المتوقعة يسهل احتمالها ، أما الشدة التي تقع من غير توقع ، فإنه يصعب احتمالها ، وقد ذكر سبحانه وتعالى مواضع الابتلاء ، وكلها عزيز يحرص عليه ، وهذه المواضع هي المال والنفس ، والدين . والمال والنفس قال فيهما سبحانه وتعالى : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ، وقد أكد سبحانه وقوع الابتلاء بالقسم ، واللام الموطئة للقسم ، ونون التوكيد الثقيلة ، وقد أكد بهذه التأكيدات ليكون الوقوع مستيقنا ، وليستعدوا بالصبر والمجاهدة ، والاعتماد على اللّه تعالى ؛ والابتلاء في المال بإنفاقه في سبيل اللّه تعالى ، وتبديده بغارات الأعداء ، وبالتكليفات الكثيرة المتعلقة به ، وقد ابتدأ به لأنه أدنى الدرجات ، فالترتيب في الابتلاء متدرج يبتدئ من الأدنى ، وهو المال ، والاختبار فيه شديد قاس ، والاحتمال يحتاج إلى صبر وعزم ، وقد يكون الاختبار في المال بالجوائح تنزل به ، فكل هذا اختبار بالمال ، وإنه ليسمى نفسيا ؛ لأنه قرين